تقديم

د. محمد منصف العسري

رئيس التحرير

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين الذي جعله الله قدوة للمسلمين؛ حيث قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]؛ فبين عز وجل بذلك أن القدوة الحسنة هي القاعدة الأساسية وعامل الإصلاح الفعال في الأمة الإسلامية أفرادا وجماعات، حتى أنه مهما كان أفراد المجتمع صالحين؛ فهم دائما في حاجة للاقتداء بنماذج صالحة مصلحة من ذوي التجربة والخبرة من أسلافهم ومعاصريهم للإفادة منهم، بل إن الله تعالى أرشد نبيه ـ وهو صفوة الخلق وأفضل النبيين وخاتمهم ـ للاقتداء بالسابقين من الأنبياء؛ بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

وإذا كانت القدوة الحسنة بهذه الأهمية؛ فإن حاجة الأمة الإسلامية لتلك القدوة تشتد كلما ابتعد الناس عن الالتزام بأحكام الإسلام ومبادئه وقيمه وأخلاقه؛ كما هو الحال في عصرنا حيث أصبحنا نرى انتشار ضعف الاهتمام الحقيقي بالعلم، وغلبة اتباع أهواء النفوس في تلبية رغباتها الدنيوية، والسعي وراء تحقيق المصالح الخاصة على حساب المصالح العامة، وقلة العلماء المجتهدين العاملين المخلصين، وندرة الدعاة العارفين الصادقين؛ فصرنا ـ أكثر من ذي قبل ـ في أمس الحاجة إلى الاسترشاد بالقدوات الصالحة؛ لكي تكون نماذج حية يدرك الناس من خلالها معاني الخير والصلاح مجسدة في الحياة أقوالا وأفعالا، فيتخذون منها أسوة في إصلاح أحوالهم.

وذلك يدل على الأثر العظيم للقدوة في تشكيل شخصية الإنسان؛ لكونه مفطورا على الميل للاقتداء بالغير، لما يثيره في نفسه النموذج الحي المرتقي في درجات الكمال البشري من استحسان وإعجاب، ولما يعطيه ذلك النموذج الصادق من خلال ما يتحلى به من الفضائل العلمية والعملية؛ من إحساس وقناعة لدى الناس بأن بلوغ تلك الفضائل في متناول القدرات البشرية.

لذا فإن القدوة الحسنة تعتبر من أهم محركات ودوافع ارتقاء الإنسان وتنمية ذاته؛ فمن جعل لنفسه نماذج يقتدي بصفات أصحابها الخلقية وفضائلهم المختلفة؛ من عظماء التاريخ في الماضي ومن ذوي الرشد والفضل في الحاضر؛ فلا بد أن يستفيد منهم في سبيل الارتقاء فيما يمكنه بلوغه من درجات الكمال الإنساني، ولأجل ذلك كان للقدوات الحسنة دائما دور كبير في إعلاء همم المقتدين بهم، وإصلاح مختلف شؤونهم قصد بلوغ ما تقتضيه مقومات الشخصية المسلمة الصالحة المصلحة.

ومن ثم نفهم اهتمام كثير من الأفكار والنظريات التربوية قديما وحديثا باتخاذ القدوات الصالحة وسيلة إلى بناء عقول ونفوس الأجيال الناشئة، من خلال المربين الصالحين المؤهلين لمهامهم التربوية الجسيمة خاصة من الآباء والمدرسين، الذين يرى فيهم الأولاد والمتعلمون نماذج للمثل العليا الحية التي يتعاملون معها مباشرة، فيسهل عليهم اتخاذها قدوة في مختلف جوانب حياتهم؛ سواء منها الأسرية أو المدرسية أو العامة، مما يرجى أن يكون له الآثار الإيجابية في الرقي بالمجتمع، والدفع بالأمة للتنمية الشاملة والارتقاء في سلم الحضارة.

وانطلاقا من هذه الأهمية القصوى للتربية بالقدوة، التي أولاها منهاج التربية الإسلامية في ثوبه الجديد اهتماما خاصا؛ حيث أفردها بمدخل خاص ـ هو مدخل الاقتداء ـ ضمن مداخله الخمسة؛ نقدم هذا العمل الموسوم بـ «الدكتور محمد رياض نموذج العالم الرباني»، للأستاذ عبد الرحيم مفكير، في إطار هذه السلسلة التربوية المباركة المعروفة بـ «ملفات تربوية»، التي اعتدنا فيها سابقا تقديم أبحاث تربوية يتم إنجازها من طرف أصحابها في سياق تكويني لأطر تربوية، لكننا لم نسر في موضوع ملف هذا العدد السادس عشر على ذلك النهج؛ حيث أنجز هذا العمل صاحبه في سياق تأليف شخصي، ونحن إذ ننشره في هذا العدد؛ نبتغي توسيع أصناف الأعمال التربوية التي نعتمد نشرها ضمن السلسلة؛ قصد الإفادة من مختلف الجهود التربوية؛ سواء منها ذات الصبغة النظرية في عمومها أو ذات الاهتمام البارز بالجوانب التطبيقية، وسواء منها البحوث التربوية أو الدراسات والأعمال المختلفة.

وقد حاول المؤلف أن يلقي بعض الأضواء على جوانب من الحياة العلمية وجوانب ترتبط بالمنحى السلوكي التعبدي لدى الدكتور محمد رياض رحمه الله، مركزا على التوسع في تقديم خلاصات لأهم آثاره العلمية كما تتجلى في جملة من مؤلفاته، باعتباره أحد الأعلام المغاربة المعاصرين المشهود لهم بالعلم والعمل؛ مما جعله أهلا للتأسي به في طلب العلم والعمل به وتعليمه ونشره بين الناس.

ومن خلال مطالعتي لهذا البحث ومراجعتي له وما أثمره ذلك على وجه الخصوص من إضافات هامة للمؤلف؛ فيما يتعلق بذكره لبعض الآراء والخبرات التربوية والتعليمية التي راكمها المرحوم محمد رياض خلال تجربته الطويلة في الحقل التربوي؛ التي تبرز الأهمية الكبرى لهذا الجانب في حياته وفي حياة المربين والمصلحين عامة؛ فإني أؤكد على مزيد من نظر الباحثين والدارسين والمهتمين في تناول هذا الجانب التربوي بشيء من التوسع في إطار التعريف بهذه الشخصية الفذة، إلى جانب مزيد من البيان للسلوك التعبدي والأخلاقي لدى المرحوم؛ لما يرجى من ذلك من الفوائد العلمية والتربوية الهامة.

وفي هذا السياق أنبه أيضا على الحاجة إلى اهتمام الدارسين والباحثين بسير سائر العلماء الذين رحلوا عنا إلى دار البقاء، للكشف عن كل الجوانب المضيئة من سيرهم وعطاءاتهم في مجالي العلم الشرعي والتربية الإسلامية بمفهومها الشامل، والذين يحق للمغرب الاعتزاز بهم ضمن أعلامه العلماء المتميزين المستحقين للتكريم والمؤهلين ليكونوا قدوة لغيرهم.

والله العلي القدير نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، ويجعلنا من العلماء العاملين المقتدين بمن نصبهم الله تعالى أعلاما للهدى؛ وعلى رأسهم رسوله الأمين، فصحابته، ثم التابعون، ومن جاء بعدهم ممن سار على دربهم بإحسان.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons

Fill the forms to signup