ثانيا: المعلم الرباني الزاهد

لقد عرف الراحل سيدي محمد رياض بين ذويه وأقاربه بتواضعه وانشغاله بطلب العلم ونشره، كما ملأت الكتب جنبات منزله، والذين صاحبوا الرجل أو جلسوا للاستمتاع بحديثه يعلمون علم اليقين أن  صاحبنا يفيد جلساءه بما تحفظه ذاكرته من متون وما اطلع عليه من علوم. فالرجل درس العلم الشرعي من معينه وجلس إلى شيوخ أجازوه في الرواية وشهدوا له بالكفاءة العلمية، كما أنه مزج بين العلم الشرعي والوضعي القديم والحديث. وتمكن من أعلى الشهادات وتخصص في القانون المدني وقانون الأعمال، واشتغل بالقضاء ومارس مهنة المحاماة. ترك كل ذلك وندب نفسه للعلم والتعليم وهذا من زهده وورعه فلم تكن المناصب تجذبه، وقد جالسته أكثر من مرة وسمعت منه، وقدمته في بعض الندوات والملتقيات العلمية، وما رأيت مثل تواضعه الذي هو سمة العلماء العاملين. وكان رحمة الله عليه لا يقدم مادته العلمية إلا مكتوبة دقيقة وبمنهجية مميزة تدرك من خلالها أن الرجل يحترم جلساءه ومستمعيه.

أغلب ماله أنفقه في شراء الكتب، وأغلى أوقاته قضاها في التأليف. وأكثر زواره بمدينة مراكش يصدمهم الكم الهائل من المجلدات والمخطوطات والمراجع المتنوعة والمتعددة والتي يصعب تصنيفها. وقد أوصى رحمة الله عليه ذويه بأن يوقفوا مكتبته العامرة لإحدى المساجد وهو ما تم حيث استقبل فضاء مسجد النجد بالجديدة هذه المكتبة النفيسة.

يقول عنه محبوه[1] “وقد كان رحمه الله آية في اللطف وخفة الظل مع الأخلاق العالية والإخلاص في العلم والعمل مولعا باقتناء الكتب والسفر إليها، حتى استطاع مع الأيام، أن يجمع مكتبة من أعظم المكتبات…”

ويضيف “عن صلتي به قال عنها رحمه الله فيما قال في ندوة تكريم زميلنا المشترك العلامة الأستاذ محمد البايك: “كان تعارفنا نحن الثلاثة، كأنه مبني عن سابق معرفة، وكذلك كان إنها معرفة الأزل، محبة الأرواح قبل الأشباح، ودارت الأيام وسار كل منا على ما قدر الله وقضى، لقد كان هذا التعارف في رحاب دار الحديث الحسنية بالرباط أواسط السبعينيات، ثم تجدد اللقاء في رحاب مدينة مراكش الزاهرة الفسيحة الأرجاء، مدينة العلم والعلماء، والأدب واللغة والصلحاء، ثم التقينا في مجلسها العلمي الكريم، فتأكدت عرى الاتصال، وتوطدت أواصر الماضي والحاضر في كل مجال بيننا”

وفيه قال الأستاذ محمد البايك بدوره من قصيدة طويلة في ذكر علمه وأخلاقه وبعض مؤلفاته :

ومعجمه الكبير في الدين والفتوى … منير وكالأقمار في ليلة التم
وثناه بعد ذا بجهد موضــــــــــــح … مناقب شيخ من دكالة كالنجم
به المغرب الأقصى يفاخر مشرقـــــــا … وقد جمع الحظوظ بالقدح والسهم
كتبه الياقوتة اليـــــــــــــــــوم في ذرى … من المجلس العلمي ونوع من الغنم

وتجدر الإشارة إلى أن كتابه “مذكرات في الأحوال الشخصية” غير مطبوع، ومثله بعض الكتب الأخرى كما لا يفوتني أن أذكر أن مختبر الدراسات القانونية المدنية والعقارية، وشعبة القانون الخاص بكلية الحقوق بمراكش نظما يوما دراسيا لتكريم الدكتور محمد رياض، وكان لي شرف المشاركة فيه وهو مطبوع ضمن سلسلة الندوات والأيام الدراسية – منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – مراكش.

وإن من الطرائف في حياة الدكتور محمد رياض ما روي عن  الدكتور رياض بين الأستاذ علال الفاسي والشيخ المكي الناصري

نشأ الدكتور محمد رياض مند صباه متعلقا بشخصية شيخ الإسلام الإمام الحافظ أبي شعيب الدكالي مفرطا في محبته وتقديره، وهو أول من لفت انتباهي إلى أهمية الرجل في تاريخ الحركة السلفية بالمغرب، ومن محبته للشيخ أحب تلامذته، ومن ثم ارتبط منهم برجلين بارزين هما:

 أولا: أستاذنا محمد علال الفاسي الزعيم السياسي الذائع الصيت، وصاحب “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها”و”دفاع عن الشريعة” و”النقد الذاتي” و”أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن” وغيرها من المؤلفات المفيدة، و كانت علاقة الدكتور رياض قد توطدت به أيام التلمذة له، بكلية الحقوق بمدينة الدار البيضاء، ثم تحول ذلك الإعجاب – فيما بعد – إلى حب كبير للرجل حتى بعد وفاته، إلى درجة أن ظلت صورته إلى جانب صورة شيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي تتصدران غرفة الضيافة ببيته، إلى آخر حياته تغمدهم الله جميعا بواسع رحمته.

 ثانيا: شيخنا محمد المكي الناصري العالم والسياسي المعروف صاحب “إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة” و “الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية” و”وصايا دينية من ملوك الدولة العلوية إلى الأمة المغربية” وتفسير القرآن الكريم الشهير المسمى: “التيسير في أحاديث التفسير” وغيرها من المؤلفات عرفه الدكتور رياض هو الآخر بكلية الحقوق بالدار البيضاء، ثم بدار الحديث الحسنية بالرباط، وتوطدت العلاقة بينهما أكثر، عندما اختاره ليشرف على رسالته لنيل دبلوم الدراسات الإسلامية العليا، عن شيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي وهنا نصل إلى “العقدة” أو بيت القصيد :
ذلك أنه في إحدى زيارات الطالب محمد رياض لأستاذه المشرف، ليعرض عليه بعض فصول عمله، وكان ضمنها مبحث عن الأستاذ علال الفاسي باعتباره أحد رموز السلفية بالمغرب، وهو ما اعترض عليه الشيخ المكي الناصري بقوة وكانت بينه وبين الأستاذ علال الفاسي  نفرة ووحشة بسبب اختلاف الانتماء السياسي بالدرجة الأولى.

لقد قال الشيخ للباحث: متى كان علال الفاسي سلفيا؟

 لعله كان ينتظر من الطالب أن يشاطره الرأي، ويحذف اسم الرجل وكل ما يتعلق به من قائمة أعلام السلفية بالمغرب، لكنه فوجئ بالطالب ينبري له، مدافعا بكل ما أوتي من قوة وبيان، عن أستاذه علال الفاسي، فلما رأى منه ذلك لم يزد على أن قال له: انتهى الأمر، وهذا فراق بيني وبينك …
وفعلا تم العدول عن تسجيل الموضوع واختيار موضوع آخر ومشرف آخر، ليبقى الاهتمام بالشيخ أبي شعيب الدكالي متواصلا، إلى أن اكتمل ونضج على مهل فجاء كما أراد له دراسة وافية ضافية لا مثيل لها في بابها.

طرائف من حياته:

حكى الدكتور محمد رياض رحمه الله في بعض مجالس إخوانه أنه: كان أيام توليه مهمة دروس الوعظ بالحي المحمدي بمراكش، تحضر دروسه باستمرار قطة، لا تكاد تتخلف عن ذلك، إلى درجة أن أضحت من تمام المشهد المعتاد لدروسه، يعرفها بشكل لا يمكن معه أن تخفى عليه بين عشرات القطط مثلها، وكان رحمه الله – بعد التأكيد على نباهتها وتتبعها لكل ما يقول – يعقب على القصة ضاحكا: إنها قطة مالكية.

وفي المقابل كانت تعيش معه في البيت، قطة أخرى، أصبحت مع الأيام تضيق ذرعا بمنزل امتلأت كل جنباته بالكتب فقط ولا شيء غير الكتب، بل كان في بعض الأحيان- عندما يبقى الأستاذ فيه وحيدا – يصبح رمضانيا، كبيت شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم كما وصفه هو نفسه على لسان صديقه ورفيقه في بيته ” الفأر “:

ما الذي أفعل في أر        كان بيت رمضاني

أتغذى بقريــض            لفلان وفـــــــلان

ومقامات أبي الفضـــل البديع الهمــذاني

ومقامات الحريري       تحت ديوان ابن هاني

واللزوميات منهـا         نسخة أو نسختـــــــان

وعليه النصف من شر   ح المحلي والبنانــــي

        وحدث ذات مرة أن صدر من القطة ما يقتضي العقاب عندما بالت أو فعلت أكثر من ذلك على كتاب من الكتب، فلم يكن أمام الدكتور رياض إلا أن يلقي عليها القبض، ويأتي بمسطرة خشبية ثم يضربها على رجليها ضربا مبرحا، هادفا بذلك إلى تربيتها فلا تعود إلى فعلتها ثانيا …
لكن القطة اللئيمة المشاغبة، لم تفوت للأستاذ تصرفه معها، فلم تتأخر عن الانتقام منه، في أول فرصة أتيحت لها، وذلك عندما ترك الفقيد في المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه للمطالعة، جزءا من كتاب ترتيب المدارك للقاضي عياض، وهو مفتوح على دفتيه في الموضع المعلم، وخرج ليقضي بعض مآربه، فلما عاد وذهب إلى مجلسه ليستأنف ما كان فيه من بحث، فإذا به يفاجأ مفاجأة لم يكن يتوقعها، لقد عمدت القطة المشاكسة إلى الكتاب المفتوح فمزقته شر ممزق …لم يتمالك الدكتور بعد أن هدأ انفعاله، وزاد غضبه، أن انفجر ضاحكا، وهو يقول في نفسه: هذه بتلك، والبادي أظلم. ثم يضيف متوجها إليها بالخطاب وقد عاوده بعض الانفعال: هذا فراق بيني وبينك[2].

هو ذا الرجل في بسطه ومرحه وزهده، وإلى جانب ما ذكر فالراحل لا يحب الكلام إلا ما تحته عمل، ويشهد له أنه أفنى عمره في تعليم العلم وتعلمه.

آخر مشاركات علمية له:

كانت آخر كتاباته “حاجة الحياة المعاصرة إلى القيم الصوفية” و”محبة الله تعالى وتجلياتها”.

وقد ختم مسار حياته بالمشاركة في الملتقى الثالث لأهل القرآن بمسجد الرحمة وهو في حالة مرضية متقدمة وكنت أدخل عليه مقصورة المسجد قبل أن يقدم درسه فأجده ذاكرا لله مشتغلا به وهو بين فرح وألم، ويقول لي همسا هل قرب وقتي لأقدم بين يدي المشاركين درسي فأجيبه: نعم. وكانت تلك آخر مشاركة له.

اهتمامه بالتصوف وتزكية النفس:

ترك كتابا نفيسا سماه” حاجة الحياة المعاصرة إلى القيم الصوفية” [3] وكأني بالرجل يرسم معالم طريق النجاة لعالم يعيش ضنك الحياة وضيقها بعيدا عن رحمة الإسلام وسعته وعدله. يقف الراحل أمام حياة مادية جامدة، وآلة هامدة، تحكمها ترسانة من ألوان التكنولوجيا والاتصالات الحديثة اللامتناهية، إنها لحظة تاريخية أداتية بامتياز، يقابلها في الطرف الآخر إنسان من صنع هذه القوالب الصلبة الجامدة، إنسان المادة والقوة والجبروت والصلابة، غاب عنه البعد الروحي وافتقد السلوك الأخلاقي الطاهر الرهيف الناعم، إذ لم يعد له مذاق ووجود، فالإنسان المعاصر انقلب على ذاته، وأصبح يعيش قلقا، وفي حيرة من أمره فعمته الأزمات الوعرة، واستشعر ضروبا من الحسرة والتمزقات، حتى أنه ابتعد عن جنسه… ولعل السبب في هذا الاغتراب والتلاشي، تفريطه في البعد الأخلاقي والتربوي والروحاني وترجيحه لوقار المادة والجاه، حيث أطلق العنان للجانب الأناني والنهمي الشره والبارد واللاإنساني [4].

ومن خلال وقوفنا على الكتاب يتضح لنا مدى اهتمام رياض بأصل التربية وتزكية النفس، وربطه بمصطلح التصوف، وبعد أن دقق في المفهوم أبرز منطلق التصوف من خلال القرآن: في خواتم سورة الفرقان، وما اشتملت عليه سورة الضحى من جوانب أخلاقية، وما يجب تجنبه من خلال سورة الهمزة، ووقف على أبواب الخير التي تضمنتها سورة العصر. وبين رحاب الزهد وما يتعلق به وما جاء عن الصحاب في الباب.

وقد حدد حاجة الحياة المعاصرة إلى القيم الصوفية سواء منها الحاجة الإيمانية، أو التعبدية، أو الأخلاقية، أو الوقائية. وما لهذه الحاجات من أثر على الفرد والمجتمع.

إن رياض رحمه الله عاش معاني الزهد وتمثلها وذاق طعم الإيمان، واعتبر أن التصوف يربي القلوب على التعلق بالله سبحانه فهو يعلم الناس كيف يتمسكون بمقاعد التوحيد الخالص. كما يأخذ بأيدي الذين يعيشون في بحبوحة الواحة السلوكية إلى شاطئ الأمان، وجناح الطمأنينة والسلام. ودعا رياض كل قرائه إلى فهم عمق الدين ومقاصده واستدل بأقوال العلماء كالقرضاوي صاحب الحياة الربانية. وبقول الإمام مالك: “من تصوف ولم يتفقه، فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف، فقد تفسق، ومن جمع بينهما، فقد تحقق”.

وعلم رياض رحمه الله أن التربية الصوفية لا تقتصر على الأثر الإصلاحي للقلوب والأفعال بل تتعداه إلى المواساة الاجتماعية والتكافل والتضامن، بل تتجاوز ذلك إلى القيام بأمر الجهاد وحماية الأوطان من المستعمر باليد والبنان. ومن النماذج الطيبة التي يشار إليها في هذا الإطار الصوفي شقيق البلخي رحمه الله الذي مات شهيدا في معركة الجهاد في سبيل الله، وذك في غزوة كولان. والإمام السنوسي الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وما قام به الشاذليون في مقاومة الاستعمار الفرنسي.[5]

وقد كان لمبادئ تزكية النفس أثر واضح في سيرة رياض رحمه الله حيث عرف الرجل بزهده وورعه؛ ولا أدل على ذلك رفضه لمنصب رئيس مجلس علمي وعدم تشبثه بالمناصب، وكان يردد إنها إلى زوال وما عند الله خير وأبقى.

رياض المحب:

كانت آخر زهرة أينعت وأثمرت وملأ المكان رحيقها كتابه “محبة الله تعالى وتجلياتها” الذي صدر سنة 1435/ 2014 عن المجلس العلمي المحلي بالجديدة، لم يشهد الفقيد مولوده في باب المحبة ولكن متع محبيه والقراء برسالة دقيقة في محبة الله، وكأنه أراد أن يربطهم بخالقهم كي يطيعوه ويتقوه ويحبوه بالقرب منه والتقرب إليه بصالح الأعمال.

وغير خاف على أحد أهمية حب الله وأثارها على تزكية النفس وتطهيرها. عرف ابن القيم المحبة بقوله: الـمحبة: هي المنـزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علَمها شَمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروَّح العابدون فهي قوت القلوب – محبة الله قوت القلوب، هي الوقود، وهي الدافع للأعمال – وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرِمَها فهو في جملة الأموات، والنور الذي مَن فَقَدَه فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي مَن عَدِمه حلت به أنواع الأسقام، واللذة التي مَن لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبداً بغيرها وأصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة.

إن مما يتمناه كل مؤمن في هذه الدنيا التيقن من حب الله عز وجل، فتجده في كل مواقف حياته يتلمس هذا الحب ويبحث عنه، فإذا وقع في أمرٍ ما تدبّره وحاول الوقوف على خفاياه باحثاً دون ملل عن أثر حب الله له، فإذا أصابته مصيبة صبر لله تعالى واستشعر لطف الله عز وجل فيها حيث كان يمكن أن يأتي وقعها أشد مما أتت عليه، وإذا أصابته منحة خير وعطاء شكر الله سبحانه وتعالى خائفاً من أن يكون هذا العطاء استدراجاً منه عز وجل، فقديماً قيل: ” كل منحة وافقت هواك فهي محنة وكل محنة خالفت هواك فهي منحة “.

لهذا فإن المؤمن في حال من الترقب والمحاسبة لا تكاد تفارقه في نهاره وليله، ففيما يظن الكافر أن عطاء الله إنما هو دليل محبة وتكريم، يؤمن المسلم أن لا علاقة للمنع والعطاء بالحب والبغض لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب” رواه الترمذي.

بل إن حب الله لا يُستجلب إلا بمتابعة منهجه الذي ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فإن اتباع هذا المنهج هو الذي يوصل إلى محبته تعالى: “لأن حقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهي موافقته في ما يُحب ويُبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان “[6]

والوصول إلى محبة الله عز وجل يستوجب أيضاً أن يترافق حب العبد لله مع حبه لرسوله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ” قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله ” آل عمران، 31.

لقد ارتبط قلب رياض بأحب محبوب في الوجود وفي عالم الخلود الله عز وجل، ورسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم، وشرعه الحكيم الأقوم إذ كل محبوب بعد الله وما تعلق به باطل وزائل[7]

وقف رياض في كتابه على مفهوم المحبة لغة واصطلاحا كما تناول بالتفصيل محبة الله عز وجل والبواعث عليها وفيه عرض لمحبة الله عز وجل من خلال كتاب الله، ومحبة الله من خلال السنة النبوية، ومحبة الله عز وجل من خلال كلام السلف الأمة. ومن البواعث التي وقف عليها قراءة القرآن مع التدبر والفهم، دوام ذكره سبحانه على كل حال، الخلوة به سبحانه وقت النزول الإلهي، مشاهدة بره وإحسانه تعالى، مجالسة الصالحين من المحبين الصادقين، مطالعة القلب لأسمائه سبحانه وصفاته، التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، إيثار محابه سبحانه على محاب العبد عند غلبة الهوى، انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. وفي المحور الأخير تجليات محبة الله تعالى والتي تتجلى في أنها متعلقة بالله سبحانه ثبل كل شيء، وفي شخصية الرسول عليه السلام، كما تتعلق بشرعه الحكيم سبحانه، ودينه القويم، ثم تتجلى في محبة المؤمنين عامة.

وبهذا يكون محمد رياض رحمه الله قد تحدث عن شجرة وارفة الظلال أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ألا إنها شجرة المحبة لله عز وجلن التي ما عبد الله سبحانه بها إلا جوزي على ذلك ضعفين، ونال الفضل عليها مرتين.

رياض المعلم:

يسر الله لنا لقاء واحد من الجيل الذي تتلمذ على يد العلامة محمد رياض واعتز بغزارة علمه وجودة أفكاره، وسعة بحثه، وكثرة تأليفه.[8]

لم يجد الفقيه عمر الخياطي ما يقول وعجز لسانه عن التعبير وقلمه عن خط بعض من سيرة الفقيد، فغابت عنه العبارات، واختفت الكلمات، ووجد نفسه أمام واقع لا يختلف اثنان فيه، وهو أن الشيخ سيدي محمد رياض، كما سماه، وهذا من أدب التلميذ مع أستاذه، أكبر مما يقال عنه، “إنه العلامة الكبير، والمؤلف الغزير، والمدرس المربي الشهير، ترك بصمات لا تحصى ولا تنسى في مجال فقه العبادات، وفقه المعاملات، وفي باب العقيدة”

سلوكه التربوي القويم مع طلبة العلم: [9]

كان رحمه الله يتعامل مع طلبة العلم باللين الذي يؤدي إلى تحصيل العلم، وكان ميالا إلى الضعفاء (أبناء الفقراء) وكان يردد ما قاله الشافعي “لولا أبناء الفقراء لذهب العلم” ولعه كان يطبق قول الرسول عليه السلام من حديث أبي الدرداء “ابغوني في الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم” رواه أبو داوود. نعم كان يطبق مبدأ اللين في محله، والصلبة التي تؤدي إلى نتائج إيجابية في محلها. كما كان يشرح ويتجاوب مع الجميع، ويتطلع إلى أن يكون الجميع في مستوى رفيع. ويردد كثيرا قوله تعالى الوارد في سورة مريم الآية 12: “يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا”.

هذا هو منهجه وطريقته وأسلوبه، يؤمن بأن العلم إذ أعطيته البعض لم يعطك شيئا، وإذا اعطيته الكل أعطاك البعض.

وقد شاءت الأقدار أن يجد الفقيه عمر الخياطي نفسه جالسا أمام الفقيد سيدي محمد رياض في مدرج الإمام مالك بجامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش.

درس سنة 94 المدخل لدراسة الشريعة الاسلامية، وكان رياض يعتبره مدخلا أساسيا للراغب في تعلم العلوم الإسلامية. وأجاد فيه ودرسه بعناية فائقة مع تقديم النصح اللازم، والإرشاد الكامل، والتوجيه العاجل للسير والسفر في قطار المعرفة والتحصيل.

وكان هذا منهجه العام في كل المحاضرات، حيث يعتبر المدخل بالنسبة له أساس بناء العلوم، فمن دخله كان آمنا، ومن لم يدخله بقي خارجا خاصة وأن هذا المدخل يتناول بالتفصيل مصادر الشريعة الاسلامية: القرآن الكريم، السنة، الإجماع، القياس، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، الاستصحاب…

وعلى طريقته الخاصة كان يحبب العلم لطلبته ويقول: أبشروا فإنه سيكون غدا منكم القضاة والمحامون والعلماء والوعاظ والخطباء. وقد أكرمني الله، يضيف الفقيه عمر، ووفقني بإلقاء أول خطبة وأنا أتربع بين يديه في السنة الثانية من السلك الثاني، وكان مسرورا بذلك رحمه الله.

على مضض ودع الفقيد طلبته لمدة سنة والتقوا به من جديد في السنة الأولى من السلك الثاني حسب النظام الذي كان معمولا به آنذاك.

ويرجع سبب عدم تدريسه للسنة الثانية من السلك الأول، أنه كان يدرس أحكام الأسرة في ضوء مدونة الأحوال الشخصية المغربية لطلبة السنة الأولى من صف الكفاءة في الحقوق، التي ساهمت في إنقاذ أجيال من أبناء الشعب المغربي، في حين كان مقرر السنة الثانية هو مدونة الأحول الشخصية.

وفي سنة 96/97 درس الفقيد طلبته كتابه الشهير “أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي” الذي أبان فيه عن مقدرة فكرية، وشجاعة علمية هائلة، وطريقة توثيقية فريدة.

هذا الكتاب كان الطلبة يشتكون من كثرة أبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه لأنه كان يقع في حوالي 629 صفحة، ويحتاج إلى وقت طويل لاستيعابه، وكان يجيبهم جوابا كافيا شافيا انطلاقا مما ورد في سورة الطلاق” ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا”

إنها دعوة من شيخ مرب إلى طلبته، بالتوكل على الله، والاعتماد عليه، وتفويض الأمر له قبل القراءة، ثم يواصل مخففا على طلبته، إن من يستطيع حمله في محفظته، يستطيع قراءته وفهمه، والظفر بما فيه.

في هذه السنة شرع سيدي محمد رياض رحمه الله في إلقاء دروس الوعظ الرمضانية، بمسجد الحي المحمدي الشمالي بالداوديات وغيرها، وكنا يقول الفقيه عمر نتبعه لغزارة علمه وطريقة نشره الى المساجد التي يلقي فيها دروسه، لعلنا نظفر بنصيب من علمه. وفي إحدى الأيام دخل ثلة من الشباب المندفعين فوجهوا الخطاب للعلامة: آانت هنا، ثم بادروا بالخروج، فخاطبهم تمهلوا على رسلكم، اسمعوا وعوا أنتم لا تصلحون للنقد البناء، لأن النقد يحتاج إلى علم، بل إلى علوم، يحتاج إلى حجة دامغة داحضة، وأنتم لا تتوفرون على هذه الآليات والأدوات لذا، فأنتم لا تصلحون إلا للحمل أي تحمل عليكم البضائع.

هكذا زجر الأستاذ من سولت له نفسه أن يتطاول على أهل القرآن الكريم والسنة النبوية، في بيت من بيوت الله تعالى، في شهر رمضان. إنها قوة وصلابة عالم رباني في محلها المخصص لها، إنه نهج مبدأ لا هوادة مع من يتطاول على علماء الشريعة الإسلامية.

في سنة 97/98 درس عمر وزملاؤه كتاب الراحل سيدي محمد رياض في مجال الإرث “أحكام المواريث بين النظر الفقهي والتطبيق العملي وفق مدونة الأحوال الشخصية” وفي مطلع هذه السنة الدراسة وقعت لعمر طريفة مع الفقيد، حيث شرع في تدريس مادة المواريث، حيث بدأ الفقيد بتهييئ طلبة العلم وقرأ عليهم الآيتين 11/12 من سورة النساء ” يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” فتجاوب معه عمر حفظا، فقال له رياض: إنا نراك من المحسنين. وفي الحصة الثانية تغيب الفقيه عمر لأسباب مبررة فقال من يقرأ آيات المواريث فلم يجبه أحد، فقال: أين عمر؟ قالوا غائب، فقال باسما: في الليلة الظلماء يفتقد البدر.

كان سلوكه نبيلا مع عمر وغيره، لقد كان استظهار الآية أمام الشيخ سببا مباشرا في إشرافه على بحث التخرج.

وفي آخر حصة من الحصص دعا عمر إلى منصة المدرج وقال موجها الخطاب له: أنت واحد ممن سأشرف على بحثهم في هذه السنة 97/98، ثم كلفه باختيار مجموعة من المواضيع، كان هذا ذأبه مع كل من يشرف على بحثه. لقد نهج مع طلبته أسلوب التدرج في جميع المراحل.

قدم عمر مجموعة من العناوين منها : الجانب القضائي عند عمر بن الخطاب، الجانب السياسي عند الفاروق، منهج عمر بن عبد العزيز في تدوين السنة المطهرة، فكلفه باقتراح مجموعة ثانية.

إنها طريقة شيخ يأخذ طلبته إلى بر الأمان بالتي هي أحسن. ولم يخرج عمر من مأزقه إلا بسماع أحد الطلبة الذي أخبره أن الشيخ رياض كان يقول خلال السنة الماضية: من كانت له الشجاعة العلمية في البحث في مجال الراجح والمتفق عليه في المذهب المالكي فسأشرف على بحثه.

فاقترح عمر على الفقيد “المتفق عليه في المذهب المالكي”، فرحب بالفكرة وحدد له عنوان: الخطوة الأولى في جمع وجود المتفق عليه في المذهب المالكي، ثم قال له: إنه ليس بالأمر السهل كما ترى، فأجاب عمر بتوجيهاتك نتغلب على الموضوع إن شاء الله.

كلف رياض الطالب عمر ببعض المراجع التي سيعتمد عليها وكانت كالتالي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، القوانين الفقهية لابن جزي، البيان والتحصيل لابن رشد الجد، مواهب الجليل شرح مختصر الشيخ خليل تأليف إمام المالكية في عصره أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب، وبعض الكتب التي تتناول بالشرح والتحليل رسالة أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، هذه الكتب وغيرها كانت متوفرة في الخزانة العامة بمراكش الحمراء.

ثم أرشده إلى كيفية البحث وتوثيق المعلومات، وطريقة الجمع بين البحث والحفاظ على رأس المال، ويعني به التجاوب مع المقررات، التي تدرس في السنة الثانية من السلك الثاني.

وبهذا بحث الطالب عمر عن المرغوب، ووصل المطلوب مع أستاذه المحبوب.

زيارة خاصة:

طلب عمر ومجموعة من أصدقاء الدراسة زيارة مكتبة رياض العامرة، فوافق على ذلك بشرط مسبق، وهو عدم الجلوس. وافق الطلبة دون أن يعرفوا السبب، فكان البيان أنه لا مكان للجلوس، فلن يجد الطلب مكانا شاغرا داخل المكتبة يجلسون فيه.

وبالفعل فزائر مكتبة الفقيد التي هي الآن وقف بمسجد النجد بالجديدة زاخرة بأمهات المصادر والمراجع ونفائس المفقودات.

لقد تفاجأ الطلبة بجداول درج السلم مملوء بالكتب التي تنتظر دورها، فإذا كان سلم المكتبة مملوء فمن باب أولى وأحرى جانبها ووسطها. مما يعني أن العلامة كرس حياته لخدمة العلوم الشرعية قراءة وتدريسا وتأليفا.

الشيخ محمد رياض ومنهجه في طرح الأسئلة:

ليس من عادة الفقيد طرح الأسئلة التعجيزية، كما يتوهم البعض، بل كانت أسئلته موضوعية وواقعية، فيها جدية وعلمية، وتحتاج إلى فطنة وروية واستيعاب، ويقظة كبيرة لفك لغزها.

وكان يقول رحمه الله: ما ورث من لم يورثه الله جل جلاله لم يرث عندي شيئا. ويقصد بذلك أن من فرض لمن لم يفرض الله له، لم يظفر بالنقطة المخصصة لذلك السؤال، مثلا من فرض وورث من حجب حجب إسقاط أو كان إرثه بالتعصيب فتطبق عليه هذه المقولة المشهورة للعالم الرباني سيدي محمد رياض رحمه الله.

صحيح أن أسئلة رياض كانت تقشعر منها الجلود، كيف لا، وهي تتعلق بالإرث بصفة عامة، وتشتمل قضايا إرثية خاصة فيها جد؛ كالأكدرية، ومسألة الخرقاء، ومسألة المالكية، ومسألة شبه المالكية.

[1] ــ الدكتور عز الدين معيار هو محمد عزالدين بن مولاي إدريس بن محمد بن علال صديق المرحوم رياض لما كان استاذا جامعيا للاطلاع على سيرته التفصيلية انظر موقع ملتقى المذاهب الفقهية الرابط : majles.alukah.net/t10127 وأيضا الشبكة الفقهية www.feqhweb.com/vb/t14343.html                   

[2] ــ الدكتور عز الدين معيار هو محمد عزالدين بن مولاي إدريس بن محمد بن علال صديق الرحوم رياض للاطلاع على سيرته التفصيلية انظر موقع ملتقى المذاهب الفقهيةوأيضا الشبكة الفقهية www.feqhweb.com/vb/t14343.html

[3] ــ الكتاب صدر عن منشورات المجلس العلمي المحلي بالجديدة سنة 2014 م

[4] ــ  تصدير رئيس المجلس العلمي بالجديدة عبد الله شاكر لكتاب “حاجة الحياة المعاصرة إلى القيم الصوفية” لمحمد رياض ص 5/6

[5] ـ نفس المرجع السابق

[6] ـ ابن تيمية طب القلوب عجيل النشمي دار الدعوة، ص183.

[7] ــ محمد رياض محبة الله تعالى وتجلياتها

[8] ـ الفقيه عمر الخياطي خريج بجامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش وأحد تلامذة الفقيد محمد رياض تتلمذ عليه في الفترة بين سنة 1994 ــ 1998، ويعمل الآن إمام وخطيب بمسجد الفتح بدوار المحمديين منطقة أولاد أفرج

[9] ـ شهادة عمر الخياطي.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Contact us
Hide Buttons

Fill the forms to signup